الشيخ محمد رشيد رضا
90
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فكيف لو كنتم لا تؤمنون بكتابهم كما أنهم لا يؤمنون بكتابكم ؟ فأنتم أحق ببغضهم ، أي ومع ذلك تحبونهم ولا يحبونكم قال ابن جرير : « في هذه الآية إبانة من اللّه عز وجل عن حال الفريقين أعنى المؤمنين والكافرين ورحمة أهل الايمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم ، وقساوة قلوب أولئك وغلظتهم على أهل الايمان ، كما حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة : قوله « ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ » فو اللّه إن المؤمن ليحب المنافق ويأوى إليه ويرحمه ولو أن المنافق يقدر من المؤمن على ما يقدر عليه المؤمن منه لأباد خضراءه » . حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال « المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن يرحمه ، ولو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر عليه المؤمن منه لأباد خضراءه » اه . فهؤلاء أئمة التفسير من سلف الأمة يقولون إن المسلم خير للكافر وللمنافق منهما له حبا ورحمة ومعاملة . وكذلك قالوا في السنى مع المبتدع كما بين ذلك شيخ الاسلام ابن تيمية قالوا إن من علامة أهل السنة أن يرحموا المخالف لهم ولا يقطعوا أخوته في الدين . ولذلك يذكرون في كتب العقائد « لا نكفر أحدا من أهل القبلة » بل كان رواة الحديث من أئمة أهل السنة كالامام أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن يروون عن الخوارج والشيعة والمعتزلة لا يلتفتون إلى مذهب الراوي بل إلى عدالته في نفسه . ونتيجة هذا كله : أن الانسان يكون في التساهل والمحبة والرحمة لاخوانه البشر على قدر تمسكه بالايمان الصحيح وقربه من الحق والصواب فيه . وكيف لا يكون كذلك واللّه يقول لخيار المؤمنين « ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ » فبهذا نحتج على من يزعم أن ديننا يغرينا ببغض المخالف لنا كما نحتج على بعض الجاهلين منا بدينهم الذين يطعنون ببعض علمائهم وفضلائهم ، لمخالفتهم إياهم في مذاهبهم وآرائهم ، أو في ظنونهم وأهوائهم ، والذين سرت إليهم عدوى المتعصبين ، فاستحلوا هضم حقوق المخالفين لهم في الدين . ثم قال تعالى شأنه مبينا لشأن طائفة منهم أسندها إليهم في الجملة على قاعدة تكافل الأمة